ألف المفكر والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري رحمة الله عليه مشروعا فكريا ضخما ، عنونه بنقد العقل العربي والذي شرح فيه مختلف مصوغات الفكر المشرقي المركب من عقل التدوين الذي يعتبره مرحلة ذهبية ، انتهت بما سماه بالعقل المستقيل ،ثم عقل الثراث المكون من العقل السياسي والعقل الأخلاقي والديني..وعندما تقرأ له تجد أنه يمتاح من المنهج الفلسفي للفيلسوف الألماني "إمانويل كانط" الذي اشتهر بكتب لها تقريبا نفس العنوان ، مثل "نقد العقل الخالص " ونقد العقل العلمي"
ولد كانط عام 1724م في وسط عائلة مسيحية بروتستانية مؤمنة بأفكار المصلح الديني "مارثن لوثر" الذي ازاح الكنيسة من عرش الإستبداد بالسلطة الروحية من حياة الأوربيين.. وكان متأثرا أيضا بفلاسفة عصر الأنوار خاصة "جان جاك روسو "و"جون لوك" و"دافيد هيوم".. وهذا كله جعله يكون مفكرا ورياضيا وفيلسوفا وتربويا وشخصية قلما يستنسخ التاريخ مثلها حتى أن الفيلسوف "شوبنهاور" قال عنه "إن أي رجل لم يقرأ لكانط يبقى طفل في وعيه " لأن هذا الشخص يعتبر أول من أحدث رجة فكرية شكلت قطيعة فواصل بين الفكر الغيبي (الميتافزيقي) الذي استهلكت مفاهيمه الفلسفة الاغريقية بإسهاب ، والفكر الشكي الذي ينطلق من كون العقل هو وحده الموجه للمعرفة بمنطق "ديكارت" ومنهج الفلسفة التجريبية الذي يقوم على قاعدة استحالة الحكم على أي موضوع مهما كان، حكما قطعيا، إلا عندما نتعامل معه بحواسنا .
نظر كذلك "كانط " في الفلسفة الأخلاقية واعتبرها مرتبطة بضمير الإنسانية أكثر مما هي مرتبطة بالأديان وقال إن الأشياء التي لايمكن ان نفكر بها نؤمن بها وأن الغيب نهاية السببية لأن العقل عاجز تماما عن التفكير فيما هو خارج عن الطبيعية..وغير ذلك من الأفكار التي أطلقت رصاصة الرحمة الاخيرة على فكر اللاهوت المحتضر وسحبت البساط من تحت اقدام بابوات الكنائس الذين عجزوا عن تفنيذ أفكاره ،ومناظرته ،واكتفوا بتكفيره وبتسمية كلابهم بإسمه قصد تحقيره..
عندما انتهى كانط من تأليفه لكتاب نقد العقل الخالص، أعطاه لصديقه "هيرتز" قصد الاطلاع عليه ، والذي بعدما قرأ نصفه ارجعه له ،قائلا له اعذرني أشعر أن عقلي سيجن وان نفسي ستضيع..
ومن الغرائب المعروفة على هذا الرجل أنه لم يسافر قط خارج مدينته كونسبرغ ، والتي تعرف اليوم بليلينغراد وهي مقاطعة تابعة لروسيا ، ولم ير قيد حياته لابحر ولا جبل رغم أن بحر البلطيق كان على مرمى منه بمسافة ساعة ، وكانت له اعتيادات يومية صارمة كالكتابة على الشرفة والقيام بجولة في المدينة قبيل الغروب..
لما كان هذا الفيلسوف يلقي محضاراته أعجبت به امرأة غاية الإعجاب وتقربت منه حتى بات لايفارقها.. وتحدث معها على المنطق وفلسفة التربية والقيم وكل المواضيع الفلسفية الأخلاقية... ماعادا موضوع الزواج..وبعد أن فاتحته هي في الموضوع..طلب منها مهلة تفكير استغرق فيها سبع سنوات صنف فيها 354 سبب يدعوه إلى اخد قرار الزواج بها و350 سبب لرفضها..والمصيبة هو أنه لم يعد يراها طيلة هذه المدة..وعندما قرر الزواج بها..ذهب إلى بيتها لخطبتها..فوجدها أم ترعى أطفالها..... توفي كانط في في 1804م وأثرث أفكاره بمن لحقه من الفلاسفة خاصة هيغل ونيتشه..ومن أشهر اقواله
- ما هو منطقي فهو حقيقي ، وما هو حقيقي فهو منطقي.
– العقل ضيق الأفق هو الذي لا يستطيع رؤية أمرٍ من زوايا مختلفة...
بقلم :عبدالله الهواري
