تقول مضيفة الطائرة بصوتها الأنثوي الرقيق، شدوا احزمتكم استعدادا للهبوط إلى مطار جدة لقد دخلنا المجال الجوي للمملكة السعودية..هكذا اختزلت رحلة الحج التي كانت في ادب الرحلات تستغرق عامين ذهابا وايابا من مراكش إلى مكة في مدة أربع ساعات بفضل فكرة طيران الانسان والتي أصبحت تتم داخل جوف نسر حديدي عملاق له ثلاث محركات اسمه طائرة البوينغ..
نبحر في غور التاريخ ونعود بآلة الزمن لنحط في مدينة"نيسباور" الفارسية في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الميلادي ، سنجد هناك رجل صنع جناحين لنفسه من خشب وربطهما بحبل، وصعد سطح داره، ونادى في الناس: لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير الساعة، فازدحم أهل نيسابور ينظرون إليه، فتأبط الجناحين ونهض بهما، فخانه اختراعه، فسقط إلى الأرض قتيلا..إنه العالم بن حماد الجوهري والذي شكلت نهايته مخاض صراع عقيم حول إشكالية جدال بيزنطي عقيم النقاش في ماهيته ، سؤاله لم ولن يفيد بشيء و ليس له جواب اصلا ،وهو هل مات هذا العالم شهيدا ام منتحرا؟..وخلق هذا الاستفسار جدل استقالة العقل عن تكرار تجربة الطيران ، وتم صرفه عن مسألة الإيمان أنه بالإمكان تحويل الفكرة من خيال إلى انجاز بالبحث عن أسباب عدم التحليق والذي اعتبروه ضربا من الجنون..
يعتبر "الجوهري " العالم الوحيد الذي تجرأ على تكرار تجربة العالم الأندلسي المسلم الامازيغي المغربي الأصل عباس بن فرناس..والذي عاش مابين 810م و 887م ، وكان نابغة زمانه وعقلية جبارة في الإبداع، ضابطا للقرآن وأصول الدين والفقه وشاعرا وفيلسوفا وفلكيا وكميائيا ، وجامعا بين الهندسة والطب والصيدلة وترجمة الكتب والاختراع..
واستطاع بموسوعيته هذه ان يتقرب من البلاط الاموي في الاندلس حتى اصبح طبيب القصر ومهندس لنافورات وعمران المدن .واثارث مواهبه والمنزلة المرموقة التي حظي بها نقمة اعدائه الظلامين الذين عوض أن ينتقدوه بالحجج والادلة اتهموه باطلا بالسحر والشعوذة والزندقة،وحاكموه في الجامع الأموي لكن حصل على البراءة..
كان عباس بن فرناس مخترعا مبدعا..حيث تمكن من ابتكار طريقة جديدة في صنع الزجاج واخترع اول قلم حبر عرفه التارخ..كما يعتبر اول من صنع الساعة والتي سماها "بالميقاتة " والتي هي حاليا رمز فخر صناعة الشركات السوسرية.. وكذلك وضع مجسم للسماء لقبه بفلك السماء فيما يشبه اليوم بمسبار "هابل" الشهير أو خارطة السماء Google sky..كما أنه تخصص في علم الطيور ودرس حركة الهواء والجاذبية والكتلة من أجل تجريب الطيران...واستطاع أن يحلق لدقائق فوق مدينة بغداد وكان ذلك مثل أول خطوة لرائد الفضاء "نيل ارمسترونغ" على سطح القمر ،لكنه أثناء الهبوط غفل عن بعض المسائل التقنية فسقط وتعرض إلى كسور، سببت له عاهة مستديمة بقية حياته إلى أن توفي في قرطبة عاصمةالفردوس المفقود..
بقيت فكرة تطوير الطيران غريبة عند المشارقة والعرب وارتبطت بجن سليمان والبساط السحري وخيالات ألف ليلة وليلة أكثر من ارتباطها بالعلوم التجريبية الفيزيائية وغابت بذلك مجهودات هذا العالم الذي لم تصلنا من مؤلفاته شيء يذكر إلا ما كتبه عنه أبو حيان التوحيدي بسبب توالي قرون الاستبداد وطول مدد شرور الجهل وانتكاسات الكتب والقراءة والمعرفة أمام تراكم عصور إزمنة سلطة السيف المهند المجلو ببريق نصر زائف عنوانه "تضييع فرص التقدم" والتمشدق ببيت شعر ابي تمام القائل "السيف أصدق انباء من الكتب ، فاختار الحكام شوكة العسكر وحد السيف والاستبداد لتطويع الشعوب بدل ثورة التهذيب بالقراءة واليراع والقرطاس حتى أفل نجم حضارتهم من سمائهم ليسطع في سماء غيرهم على مرمى من أبصارهم ومسامعهم..وانتظر العالم برمته حتى القرن الثامن عشر امكانية تحقيق حلم طيران الانسان والتي كانت على يد الأخوين الفرنسيين "مونغوليفييه"باختراعهما المنطاد..و كذلك الأخوين "رايت" من نفس البلد في بداية القرن العشرين اللذان اخترعا أول طائرة، والآن صارت الرحلات الجوية عادية إلى جانب الرحلات البرية والبحرية وحولت العالم إلى قرية صغيرة..
عندما أراد المستكشف "روبرت بيري" خوض غمار مغامرة اكتشاف القطب الشمالي هناك من مول رحلته مقابل تسمية واد أو جبل جلدي بإسمه تخليدا لنفسه، لكن هذا العالم الذي بقي مغمورا عند العرب كرمه الغرب وخاصة وكالة الفضاء الأمريكية "نازا" بإطلاق اسمه على أحد أكبر الحفر في القمر..
ويوجد له تمثال في قرطبة وتمثال في بغداد ،تمجيدا له كأول رجل طيار في التاريخ...
ومن اشهر اقواله ابيات شعرية نقشها بنفسه على ساعته التي أهداها إلى الخليفة عبدالرحمان الأموي يقول فيها..
إلا أنني للدين خير أداة** اذا غاب عنكم وقت كل الصلاة
ولم تر الشمس بالنهار ولم تنم *كواكب ليل حالك الظلمات
بقلم عبدالله الهواري
